عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
375
اللباب في علوم الكتاب
الأول ، فثبت بهذا التقسيم أن القول بالنسخ محال . فصل في تحرير محلّ الاستدلال بالآية قال ابن الخطيب « 1 » : والاستدلال بهذه الآية على وقوع النّسخ ضعيف ؛ لأن « ما » هاهنا تفيد الشرط والجزاء ، وكما أن قولك : « من جاءك فأكرمه » لا يدل على حصول المجيء ، بل على أنه متى جاء وجب الإكرام ، فكذا هذه الآية لا تدلّ على حصول النسخ ، بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه ، فالأقوى أن تعوّل في الإثبات على قوله تعالى : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ [ النحل : 101 ] وقوله : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [ الرعد : 39 ] . فصل في فوائد معرفة النسخ قال القرطبي رحمه اللّه تعالى : معرفة هذا الباب أكيدة عظيمة ، لا يستغني عن معرفته العلماء ، ولا ينكره إلا الجهلة ؛ لما يترتب عليه من الأحكام ، ومعرفة الحلال من الحرام . روى أبو البختري قال : دخل علي - رضي اللّه عنه - المسجد ، فإذا رجل يخوف الناس ؛ فقال : ما هذا ؟ قالوا : رجل يذكر الناس ؛ فقال : ليس برجل يذكر الناس ! لكنه يقول : أنا فلان ابن فلان فاعرفوني ، فأرسل إليه فقال : أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ ! فقال : لا ؛ قال : فأخرج من مسجدنا ولا تذكّر فيه . وفي رواية أخرى : أعلمت الناسخ والمنسوخ ؟ قال : لا ؛ قال : قد هلكت وأهلكت ! . ومثله عن ابن عباس رضي اللّه عنهما . فصل في أن للناسخ حقيقة هو اللّه اعلم أن الناسخ في الحقيقة هو اللّه تعالى ، وسمي الخطاب الشرعي ناسخا تجوزا . واحتجوا على وقوع النسخ في القرآن بوجوه : أحدها : هذه الآية . وأجاب عنها أبو مسلم بوجوه : الأول : أن المراد بالآيات المنسوخة هي الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل ، كالسّبت ، والصلاة إلى المشرق والمغرب مما وضعه اللّه - تعالى - وتعبّدنا بغيره ، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون : لا تأمنوا إلا لمن تبع دينكم ، فأبطل اللّه عليهم ذلك بهذه الآية .
--> ( 1 ) ينظر الفخر الرازي : 3 / 207 .